الاخلاق بين الاسلام والعقائد الاخرى
الأديان السماوية
نجد أنَّ القرآن، بالمقارنة مع التوراة، ركّز على نفس المعالم الأخلاقية التي جاءت في التوراة. مثال ذلك أن بعض الوصايا التي وردت في التوراة تكرر ورودها في القرآن الكريم، من ذلك: لا تقتل، في التوراة يقابلها في القرآن: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم﴾ النساء:29. لا تَزنِ، في التوراة يقابلها في القرآن ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ الإسراء: 32. وقد وردت في التوراة وصية لا تسرق، يقابلها في القرآن ﴿ والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما﴾ المائدة: 38. ووردت في التوراة لا تشهد على قريبك شهادة الزور، يقابلها في القرآن ﴿واجتنبوا قول الزور﴾ الحج: 30.
وكذلك الحال في الوصايا التي وردت في الإنجيل نجد أنها تصدر جميعا من نفس المنبع، اللهم إلا ما تعرّض منها للتحريف. من ذلك ما ورد في الإنجيل، قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زَنى بها في قلبه (متىَّ 275-29) يقابلها في القرآن ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ¦ وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾ النور: 30، 31. وكذلك ورد في الإنجيل اسألوا تُعطوا (متىَّ 7-7) يقابلها في القرآن ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعانِ﴾ البقرة: 186. وزاد القرآن كثيرًا على ما ورد في التوراة المحرَّفة، خاصة في القضايا التي كانت اليهودية تُميز فيها بين اليهودي وغير اليهودي. من ذلك ما ورد في هذه التوراة: (للأجنبي تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا)، وقد أسقطت النصرانية هذا الحاجز العرقي واستبدلت به مبدأ، وجاء القرآن بمبدأ آخر مغاير تمامًا لما ورد في التوراة والإنجيل ذلك هو مبدأ المساواة بين جميع الناس في التعامل الأخلاقي المسلم وغير المسلم لأن العبرة بإنسانية الإنسان وليست بدينه أو عرقه، قال تعالى: ﴿ ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ المائدة:8. فكان هذا المبدأ ناسخًا لما ورد في التوراة والإنجيل مذيبًا للفوارق والحواجز بين بني آدم.
وقد ورد في حديث الرسول ³: (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخُن من خانك ). حديث صحيح، ورد في التاريخ للبخاري وسنن أبي داؤد، وسنن الترمذي ومستدرك الحاكم والدارقطني. كما جاء في خطبته ³ في حجة الوداع (كلكم لآدم وآدم من تراب )، ترسيخًا لمبدأ عدم التمايز العرقي بين الناس. وكان الإسلام حريصًا على ذلك المبدأ السامي الذي يؤكد على معاملة الناس بالعدل دون تمييز بين دين أو لون أو جنس. من أجل ذلك كان الإسلام خاتمًا للأديان ومتممًا لمكارم الأخلاق.
العقائد غير السماوية
المقارنة ليست واردة بين الإسلام وبين العقائد غير السماوية لانتفاء وجه المقارنة أصلاً، لكن لا بأس من ذكر أوجه المقابلة بين الإسلام وأحد الاعتقادات الحديثة غير السماوية كالماركسية لنرى الفارق بين النمط الديني والنمط غير الديني في المعاملات الاقتصادية والسياسية الاجتماعية، والمفارقة الواضحة بين المنهج الأخلاقي والمنهج غير الأخلاقي. فالماركسية تؤسس فرضياتها وتبني نظرياتها في تفسير التاريخ وتغيير المجتمع مدعية أنها نظرية علمية وبذلك تلغي الدين والأخلاق بداية لأنهما ليسا من العلم في شيء ـ على حد زعمهم ـ وتنطلق في بناء المجتمع من قاعدة أن الحياة مادة فقط، فلا روح ولا دين ولا أخلاق. وقد أدت بهم هذه المقدمات غير الأخلاقية كما يقول روبرت كونكوست في كتابه حصاد الأسى إلى أن أعدادًا ضخمة من الأطفال والنساء والشيوخ قد أعدموا لأنهم غير مرغوب فيهم إما لانتمائهم للمزارعين الذين رفضوا فكرة المزارع الجماعية أو لانتمائهم لمجموعات دينية مسلمة أو نصرانية. لذلك عزلهم النظام وأبادهم إبادة تامة، ليستأصل وجودهم الاجتماعي بالكلية. وبعد مضي سبعين عاما من التطبيق الشيوعي عادت هذه المجموعات إلى معتقداتها بأشد مما كانت عليه عند قيام الثورة الروسية. وهذا يعني أن سبعين عاما من القهر لم تمح العقائد الدينية الأخلاقية لأنها تحمل المسوغ الأخلاقي لوجودها. وبالمقابل انهار المبدأ المادي الشيوعي غير الأخلاقي وذلك بانهيار النظام السوفييتي سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا لأنه فقد أي مبرر أخلاقي لوجوده.
فقد استكان الناس للقهر الشيوعي والنظام الاشتراكي نتيجة للوعود البرّاقة من سدنة النظام بإشاعة العدل والمساواة بين الناس وإخراجهم من الفقر إلى الغنى ومن الذل والمسكنة إلى الحرية والكرامة. فما زادهم بعد سبعين عامًا إلا فقرًا إلى فقرهم وذلاً إلى ذلهم، وفقدوا أهم مقومات الوجود الإنساني وهو الحرية، وأصبحوا عالة على غيرهم، ولا يجدون قوت يومهم. وسقط النظام السوفييتي لأنه حاد عن الفطرة السليمة والمنهج الأخلاقي في بناء الإنسان. كانوا يريدون الوصول إلى الشيوعية التي تساوي بين الناس ـ كما يزعمون ـ في كل شيء، وكذبوا بل جهلوا طبيعة الوجود الإنساني الذي أقامه الله على تنوع القدرات واختلاف الدرجات لتستقيم الحياة وينتفع الناس بعضهم ببعض غنيهم بفقيرهم وفقيرهم بغنيهم، ويتخذ كل فريق من الفريق الآخر عونًا على تحقيق مقاصده، ولو كانوا متساوين في كل شيء لما أمكن شيء من ذلك ولفسدت الحياة البشرية واختل نظام المجتمع الإنساني. وإلى هذا أشار الله تعالى في محكم كتابه فقال: ﴿ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا﴾ الزخرف: 32. كانوا يريدون الوصول إلى الشيوعية على أجساد الأطفال والنساء والشيوخ فسقطت الشيوعية على أشلاء سدنتها لأنها كانت ضد الفطرة الإنسانية وضد الأخلاق وضد الدين.







0 التعليقات:
إرسال تعليق
شاركنا رائيك بتعليق